حذف الاصفار من الدينار.. علاج للتضخم أم خطوة في الاصلاح النقدي؟!!
 

 
 

بقلم / د. محسن علي حسن تحتوي الدراسات الاقتصادية على تعاريف كثيرة للتضخم، لكن التعريف الاكثر شيوعا هو الارتفاع المستمر في الاسعار او الانخفاض المستمر في قيمة العملة. وبوجه عام يعني التضخم بالنسبة للفرد العادي الاسعار العالية، بيد إن الأسعار العالية لا تشير بالضرورة الى وجود تضخم. اذ ربما يمكن وضع التوازن بين العرض والطلب بأي مستوى من الاسعار، وعند الوصول الى هذا التوازن يختفي التضخم. وفي حالات معينة لا تعكس معدلات الاسعار ظاهرة التضخم حيث تظهر بشكل شح في عرض السلع والخدمات لا يرقى الى مستوى الطلب عليها. ويحدث هذا النوع من التضخم عندما تتولى الحكومة مسؤولية تحديد الاسعار دون ان توفر الكميات المطلوبة. وتستعمل اساليب احصائية متنوعة لقياس التضخم اهمها الرقم القياسي لسعر المفرد او المستهلك والذي يستخدم عادة لاغراض المقارنات الدولية. . وللتضخم اثار ضارة على كثير من النواحي الاقتصادية والاجتماعية حيث انه يؤدي الى انخفاض مستوى المعيشة للافراد خاصة ذوي الدخول المحدودة وتشجيع المضاربة بالموجودات الثابتة وتوجيه الاستثمارات نحو النشاطات ذات الاولويات الثانوية وتخفيض الفائض او احداث العجز في ميزان المدفوعات. ولغرض معالجة هذه الاثار ووضع الحلول المناسبة لها لابد من الوقوف على اسباب هذه الظاهرة. وتشخيص الاسباب هو بحد ذاته مشكلة معقدة ومحيرة واحيانا مستحيلة. وكلما يكون الاقتصاديون ومتخذو القرار اقرب الى ادراك التسبيب كلما يكون ملائما تعيين اجراءات السياسة الفعالة للسيطرة على التضخم. وان اية محاولة لتخفيض التضخم لكي تكون فعالة لابد ان تأخذ وقتا طويلا ومع ذلك فان النتيجة سوف لن تكون مؤكدة دائما بسبب خصوصية الظروف التي تسود في كل بلد وتجربته التاريخية وطبيعة الاسباب وشدة ودرجة التضخم. اسباب التضخم تشكل مشكلة تحليل مصادر التضخم واحدة من اهم التحديات التي واجهت ولازالت تواجه الاقتصاديين. فالتسارع في شدة التضخم دفع هؤلاء باعادة النظر نحو تشخيص القوى التي تسبب التقلبات الشديدة في مستوى الاسعار. ونتيجة لذلك شهدت العقود الثلاثة الاخيرة تغيرا كبيرا في الادب المتخصص بالتضخم. ولغرض تصنيف المداخل المختلفة في تحليل التضخم فربما تكون البداية مع اربعة منها غالبا ما تكون محور المناقشات بين الاقتصاديين سواء على المستوى النظري او على المستوى التطبيقي. فالنوع الاول هو (تضخم الطلب) الذي يحدث حينما يتجاوز الطلب الكلي الناتج الكلي بمستوى الاستخدام الكامل او ما يقاربه. وهذا الفائض في الطلب هو الذي يستهل الضغط التضخمي. ورغم ان هذا النوع من التضخم يؤدي الى المطالبة برفع الاجور والتي بدورها تؤدي الى زيادة كلفة الانتاج لكن اسبابه في الواقع تعود الى فائض الطلب. وربما يتولد هذا الفائض ذاته في قطاعي الاقتصاد الحقيقي والنقدي : في القطاع الحقيقي بسبب الزيادات في المصروفات الحكومية والاستثمار والاستهلاك في القطاع الخاص، وفي القطاع النقدي بسبب الزيادات في عرض النقد او الانخفاض في الطلب على النقود. اما النوع الثاني فهو (تضخم الكلفة) الذي يحدث حينما ترتفع الاجور النقدية وكلف الانتاج الاخرى ويتم نقلها الى المستهلك بشكل اسعار عالية. فكلما ترتفع الاسعار فان الاجور الحقيقية تنخفض مما يؤدي الى جولة اخرى من المطالبة برفع الاجور وبالتالي تطور الحلزون التضخمي. وربما يمكن الاستنتاج من تحليل التضخم وفقا لهذين النوعين انه كلما يكون الاقتصاد قريبا من مستوى الاستخدام الكامل كلما يكون الضغط التضخمي اكبر، وكلما يكون معدل البطالة اكبر كلما يكون الضغط التضخمي اقل. اما المدخل النقدي للتضخم فيؤكد على ان عرض النقد هو الذي يفسر معدل التضخم. اي ان اي زيادة في عرض النقد تؤدي الى زيادة ربما تكون مماثلة في الطلب على السلع والخدمات وعلى العمل وبالتالي ارتفاع الاجور والاسعار. وبعبارة اخرى ان ارتفاع الاسعار ينتج فقط من خلال الاصدار الفائض من النقود من قبل البنك المركزي، ولغرض وضع التضخم تحت السيطرة لابد ان تهدف الاجراءات الحكومية الى تقييد الزيادات في عرض النقد. وبعض المهتمين بمشاكل التضخم يعتقدون بان المصادر الاساسية لضغط التضخم لا تعود فقط لعوامل اقتصادية وانما ايضا لعوامل اجتماعية وسياسية يصعب تحليلها. فبدلا من التركيز على سياسة البنك المركزي او السياسة الماليةفان هؤلاء يركزون على الدور المهيمن للنقابات الذي تلعبه في الدول المتقدمة في التأثير على الاجور وبالتالي على المعدل العام للتضخم. وقد تعود اسباب التضخم خاصة في البلدان النامية الى الاختلالات الهيكلية في اقتصادياتها المتمثلة بجمود العرض الصناعي والزراعي واعتمادها الكبير على تصدير منتج واحد او منتجات قليلة من المواد الخام اضافة الى الاختناقات في الموارد المالية خاصة القطع الاجنبي. وبسبب طول المدة التي تتطلبها التغييرات الهيكلية، فان معالجة اوضاع التضخم تتم بصورة تدريجية. وعادة ما تلجأ البلدان التي تعاني من نقص في الاحتياطيات الاجنبية الى طلب المساعدة الخارجية لتوفير المستوردات الضرورية التي يحتاجها الاقتصاد للتخفيف من تقلبات الاسعار. انواع التضخم يعتمد تصميم السياسات الملائمة لمحاربة التضخم على تشخيص القوى التضخمية وعلى درجة وشدة التضخم. وتشير الادبيات الاقتصادية الى عدة انواع من التضخم حسب الدرجة لعل اكثرها شيوعا هي التضخم المعتدل (او الزاحف) والتضخم الراكض والتضخم الجامح (او المفرط او الهارب). فالتضخم المعتدل هو الذي يحدث اذا كانت الاسعار ترتفع ببطئ ومعدلاته لاتزيد عن مرتبة عشرية واحدة اي تقل عن 10%. وهذا النوع هو تضخم مستقر وغالبا ما تكون التوقعات به مستقرة ايضا بحيث لا يتخوف الافراد من عقد الصفقات بالقيمة الاسمية خاصة حينما تكون اسعار الفائدة الحقيقية منخفضة ولا حاجة الى استخدام اسلوب الربط indexation مع التضخم.اما النوع الثاني وهو التضخم الراكض فيحدث حينما تبدأ الاسعار بالارتفاع بمرتبتين عشريتين او بثلاث مراتب عشرية، اي بمعدلات سنوية تتراوح بين 20% او 100% او اكثر. وقد وصلت معدلات التضخم في بعض الدول الصناعية وبلدان امريكا اللاتينية الى اكثر من 100% خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي. وعليه فان معظم العقود كانت مرتبطة بالرقم القياسي للسعر او بعملة اجنبية كالدولار. وبسبب الانخفاض الشديد للعملة فان الافراد كانوا يتجنبون الاحتفاظ بها بأكثر من الحد الادنى. اما النوع الاخير والاخطر فهو التضخم الجامح الذي تصل فيه الارقام القياسية للاسعار وعرض النقود الى معدلات فلكية كما حدث في المانيا في ظل جمهورية (فايمار) خلال عشرينيات القرن الماضي وفي عدد من البلدان الاخرى كالصين وهنغاريا بعد الحرب العالمية الثانية. وتكمن الخطورة في التضخم المستمر في انه ربما يتطور الى التضخم الجامح. وقد عانت جميع بلدان العالم من درجات معينة من التضخم، الا ان الحالة الفريدة الموثقة جيدا في التاريخ الاقتصادي ما حصل في المانيا في السنوات التي اعقبت الحرب العالمية الاولى. ففي سنة 1922 ارتفعت الاسعار بما يقارب 500 مرة اعلى مما كانت عليه في الاربع سنوات التي سبقتها. وعلى عكس بعض الدول المتحاربة كبريطانيا، لجأت المانيا الى الوسائل النقدية بصورة واسعة لتمويل نفقاتها بدلا من الوسائل المالية كالضرائب. ففي معظم السنوات كانت الضرائب لا تغطي الا نسبة ضئيلة جدا من المصروفات الحكومية. ورغم جهود الحكومة في تقليص العجز الا ان عرض النقود توسع بشكل مخيف حيث ارتفع من 50% عام 1921 الى 1000% عام 1922 والى (25) بليون % عام 1923. وفي الوقت نفسه ارتفع الرقم القياسي لسعر المفرد من 65% عام 1921 الى 2420% عام 1922 والى اكثر من 1.8 بليون % عام 1923. وفي الاشهر القليلة التي سبقت انهيار العملة كان هناك 300 معمل ورق و150 مصنع طباعة و2000 مطبعة صحافة تشتغل جميعها ليلا ونهارا لانتاج النقود الورقية. وقد مهد تدهور قيمة الرايكسمارك والازمة الاقتصلدية التي اعقبته الطريق امام هتلر لاستلام السلطة وكان بذلك الوريث الشرعي لمشكلة التضخم الجامح في المانيا. الحلول المقترحة يلاحظ مما ذكر انفا ان هناك عدد من وجهات النظر المتعارضة حول اسباب التضخم. وقد قادت هذه التفسيرات المتنافسة لعملية التضخم الى توصيات مختلفة للاجراءات الاقتصادية التي من الممكن توظيفها لمعالجة مشكلة التضخم. فالبعض يلوم الزيادات المتعاقبة في عرض النقد ، بينما يضع البعض الاخر اللوم على ازدياد المصروفات الحكومية او المصروفات المفرطة من قبل بقية اقسام الاقتصاد. وهناك فريق اخر يضع الكرة في ملعب النقابات. ومع ذلك يمكن القول بان هناك بعض من الحقيقية في جميع وجهات النظر ذلك ان الضغوط التضخمية ربما تنشأ من عدد من الاسباب تعمل في ان واحد رغم انها تختلف من حيث النوع والدرجة من بلد الى اخر وفي نفس البلد من وقت لاخر. فالمدخل النقدي يرى ان السلطات المسؤولة عن عرض النقد يجب ان تتبنى المستويات المستهدفة للزيادة في عرض النقود بحيث تكون منسجمة مع معدل الزيادة في الناتج القومي ثم تحاول اجراء تخفيضات للتوسع النقدي متوافقة مع المستوى المستهدف. اما مدخل الكلفة فيدعو الى اصلاح كلي للمؤسسات والنقابات التي تتحدد عن طريقها الاجور والاسعار. واذا كان سبب التضخم هو الافراط في الانفاق الحكومي الممول عن طريق العجز بالموازنة وما يترتب عليه من زيادات متعاقبة في عرض النقد وارتفاعات في الاجور والرواتب فان العلاج لايكون ناجحا اذا فكرت الحكومة بتخفيض النفقات فقط او في عرض النقد كما يوصي به المدخل النقدي. وهكذا فان السياسات النقدية والمالية التقييدية هي المعالجات النمطية عندما يكون السبب هو فائض الطلب لكن نفس النوع من السياسات لايمكن استعماله بحرية عندما يكون السبب تضخم الكلفة. وربما تكون بعض الاجراءات الانتقائية مثل تقوية التشريعات المتعلقة بمنع الاحتكار مفيدة في كبح جماح تضخم الكلفة لكنها ليست بالضرورة ملائمة لتضخم الطلب. وطالما ان الاجراءات المستخدمة في محاربة التضخم السائد تعتمد على طبيعة القوى التضخمية العاملة فان الحاجة لتشخيص هذه القوى لا تقل اهمية عن الحاجة الى ادراك العملية التضخمية بشكل عام. حذف الاصفار والاصلاح النقدي حينما يبدأ التضخم، تزداد سرعة التداول بمديات اعلى يصبح فيها الاحتفاظ بالنقود يمثل خسارة للافراد تدفعهم الى استبدال ارصدتهم النقدية بموجودات حقيقية مما يؤدي الى ارتفاعات حادة في الاسعار اكثر من الزيادة في كمية النقود المرغوب بها وبالتالي يجب ان تتكيف الاجور يوميا وربما تستبدل بعملات اجنبية. ونتيجة الى هذا التضخم القاسي يتوقف الافراد عن قبول العملة وفي النهاية لابد من تقديم عملة جديدة وسحب العملة القديمة من التداول. في المانيا حل الرايكسمارك محل المارك ثم حل الدوج مارك محله. وفي عام 1924 كان الرينتين مارك الجديد يعادل تريليون×1210 من الماركات القديمة. وفي هنغاريا حل الفورنت محل البينكَو، وفي النمسا حل الشلن محل الكراون. وفي احوال كثيرة يترافق تقديم العملة الجديدة مع سياسة ناجحة للاستقرار الاقتصادي، واكثر الطرق شيوعا هو حذف الاصفار من العملة المندثرة. وينطبق اسلوب حذف عدد من الاصفار على جميع الاسعار والاجور والموجودات المالية في عموم الاقتصاد. ورغم ان مثل هذا الاجراء يعتبر بالاساس تغييراً تجميليا ليس له ضرر اقتصادي الا انه يحقق بعض التوفير في الكلف (الحبر، الورق، الوقت) أجهزة الحاسبات واماكنها وما شابه ذلك.وقد طبقت بوليفيا هذا الاسلوب عام 1986 بعد عدة اشهر من بداية برنامج الاستقرار وذلك بتغيير عملتها الوطنية من البيزو الى البوليفيانو بتحويل مليون واحد من البيزو القديمة الى بوليفيانو واحد من العملة الجديدة. ويبدو ان المشكلة في هذا النوع من الاصلاح النقدي ليس فقط بحذف الاصفار وانما بتقديم عملة جديدة وفقا لمشروع خاص لاعادة دفع العقود الموجودة بالعملة القديمة. وفي هذا السياق قامت بعض الدول (مثل الارجنتين عام 1985 والبرازيل عام 1986) بتصميم نوع من الاصلاح النقدي اكثر تعقيدا يقضي باعادة دفع القروض طويلة الاجل بالعملة الجديدة ولكن بسعر فائدة يتم تكييفه بصيغة جديدة، وعلى العموم فان الدول التي جربت التضخم الجامح كانت تعاني من مستوى واطئ جدا من الاحتياطيات الدولية مما جعلها في موضع دفاع ضعيف عن سعر الصرف وعن اسعار مستقرة الامر الذي دفعها للاستعانة بمساعدات فنية ومالية من المنظمات الدولية والاقليمية مكنتها من دعم ميزان المدفوعات. والامثلة على ذلك كثيرة مثل بوليفيا في الثمانينات وقبلها النمسا وهنغاريا والمانيا في العشرينات من القرن الماضي وبولندا ويوغسلافيا في عامي 1989 و1990 ونوعا ما في الاتحاد السوفيتي السابق وبلغاريا وهنغاريا خلال فترة الانتقال من النظام الاشتراكي الى التعددية الديمقراطية ونظام السوق. التضخم في العراق يبني بعض الاقتصاديين نظرياتهم حول التضخم على الدلائل التاريخية التي تشير الى ان التضخم كان يترافق مع الزيادة في الخزين النقدي. والمثال التقليدي للعلاقة بين التوسع النقدي والتضخم هو تدفق الذهب والفضة الى اوروبا كنتيجة للغزو الاسباني للامريكيتين وفي انكلترا تحت حكم اسرة تيودور قبل خمسة قرون تقريبا. اما في العراق، فبعد العصر الذهبي (750-809 م) الذي شهد ازدهارا اقتصاديا وتحسنا في مستويات المعيشة عرف العراق انحطاطا اقتصاديا شاملا تحت حكم الألخانيين في القرنين الثالث عشر والرابع عشر. فالطلب المتدني نتيجة تقلص حجم السكان وتعويض العملة الذهبية والفضية لابد ان يكون قد تسبب عنه انخفاض مستمر بالأسعار وبالتالي تعرض النظام النقدي لتغيرات عديدة وازمات. وفي محاولة لمعالجة تلك الازمات تم اصدار عملة ورقية عام 1294 لكنها لم تحقق النجاح المطلوب فتوقفت الطباعة وتوقفت معها الفعاليات الاقتصادية واستمرت الاسعار على اثرها بالانهيار. ورغم ان المعلومات عن النقود في سجلات المؤرخين قليلة جدا، وان الحدس والتخمين المبني على تلك المعلومات ينطوي على خطورة الا انها تبدو متوافقة جدا مع صورة الاوضاع الاقتصادية السائدة انذاك.وحتى وقت قريب جدا سواء في العراق او في البلدان الاخرى كان عرض النقد يتقيد بكمية الذهب الذي يحتفظ بها البنك المركزي قانونا كغطاء للعملة. ومع ذلك فان تاريخ التضخم في العراق بالمفاهيم الحديثة ليس بعيدا. وربما يكون العام 1939م اول سنة تتوفر عنها الاحصائيات عن الاسعار وتكاليف المعيشة رغم العيوب والنواقص التي تشوب تلك الاحصائيات. فقد ارتفع الرقم القياسي لتكاليف المعيشة للعمال غير الماهرين في بغداد الى اكثر من اربع مرات خلال فترة الحرب العالمية الثانية والسنوات القليلة التي اعقبتها رغم ان العراق لم يكن مشاركا في الحرب بصورة مباشرة. وكان تأثير هذا الارتفاع شديدا على اصحاب الدخل المحدود مما دفع بالحكومة الى زيادة رواتب واجور العاملين لديها عام 1948. وقد رافق الارتفاع في معدل التضخم زيادة في عرض النقد بلغت حوالي ثماني مرات خلال نفس الفترة. غير ان هذه المعدلات تختفي تقريبا عند زوال تلك الظروف الاستثنائية واستعادة الاقتصاد لاوضاعه العادية وحينما تتصرف الحكومة بطريقة مسؤولة من خلال احجامها عن وضع قيود غير مناسبة على طاقة الاقتصاد، واذا لم يكن الاقتصاد خاضعا لصدمات خارجية، فان مستوى الاسعار يبقى مستقرا نوعا ما. فمنذ عام 1950 وخلال العشرين سنة اللاحقة لم ترتفع الاسعار باكثر من مرة واحدة. بيد انه ليس هناك ما يضمن بقاء الاسعار على نفس النمط، فقد كان الرقم القياسي لسعر المستهلك يتبع التغيرات في مناهج الاستثمار والخطط الاقتصادية من حيث التوسع والانكماش وبالتالي فان الاسعار كانت بشكل عام تميل الى التحرك بالاتساق مع المستوى العام للنشاط الاقتصادي. وهكذا فان الاسعار تميل الى الارتفاع في فترة الانتعاش وتنخفض في فترة الركود، وبالتالي فان معدل الاتجاه في نمو الاسعار يكون صفرا تقريبا ولا يشكل التضخم في هذه الحالة تهديدا جديا. غير ان هذا الاستقرار النسبي في المستوى العام للاسعار لم يمكث طويلا فقد تعرض الاقتصاد الى صدمات خارجية بسبب ارتفاع اسعار النفط العالمية مما ادى الى ارتفاع الرقم القياسي لسعر المستهلك مرتين خلال الفترة 1973-1980. وللتقليل من اثر هذا الارتفاع على اصحاب الدخل المحدود فقد قامت الحكومة بزيادة رواتب واجور العاملين في القطاع العام في الاعوام 1974 و1979 و1980. في فترة الثمانينيات والتسعينيات كانت معدلات التضخم تتسارع بوتائر خطيرة لتصبح ولاول مرة في تاريخ العراق الحديث من اكثر المشاكل الاقتصادية الضاغطة. فالحروب باهظة التكاليف ونتائجها الكارثية تميزت بكونها المصادر القوية للضغوط التضخمية. فقد ازداد الرقم القياسي لسعر المستهلك ثلاث مرات في عقد الثمانينيات، وارتفع حوالي (300) مرة خلال الفترة (1991-2002). وقد وضعت الحكومة، في محاولتها لمعالجة عديد المشاكل الاقتصادية والاجتماعية مجهودات اضافية على طاقة الاقتصاد من خلال شراء الاسلحة والمعدات ودفع رواتب العسكريين والمصروفات الاخرى المتعلقة بالحرب. وفي مثل هذا الاقتصاد المنهمك كليا في امور الحرب فان النفقات الحكومية الاضافية لابد ان يكون لها شأن في رفع اسعار الناتج، وبالتالي فان الزيادة المستمرة في النفقات العامة قادت الى ميل مستمر لزيادة الاسعار والتضخم. ونتيجة لاستنزاف الاحتياطيات الاجنبية وكذلك الاختلالات الهيكلية وصل سعر الصرف عام 1995 الى اكثر من (2800) دينار لكل دولار، ثم تحسن قليلا بعد تنفيذ مذكرة التفاهم مع الامم المتحدة عام 1996 حتى وصل الى (1896) دينار لكل دولار عام 2003. وفي اعقاب الحرب وتمتع البنك المركزي العراقي باستقلاله الحقيقي بموجب قانونه الجديد اعطي هدف استقرار الاسعار وتحقيق معدلات واطئة للتضخم الوزن الاكبر في ستراتيجية السياسة النقدية. وربما يكون مزاد التحويل الخارجي هو الاداة المتوفرة والوسيلة العملية البسيطة في ظل الظروف الراهنة للسيطرة على معدلات التوسع النقدي. فالمبيعات الكبيرة للنفط والمساعدات الخارجية هي المصادر المهمة لايرادات التحويل الخارجي المتاحة للحكومة، ويوفر المزاد قناة مهمة لتغطية تكاليف الاستيرادات والمساهمة في تقليص عرض النقد وبالتالي فان التنسيق الفعال بين السياسة المالية والنقدية امر مرغوب للتخلص من الزيادات الفائضة في عرض النقد. ومع ذلك فان هدف تحقيق الاستقرار النقدي يجب ان يكون منسجما مع هدف مستوى الاحتياطيات الاجنبية وذلك لتجنب تعويق التجارة والتحسب للصدمات الخارجية وبالتالي فان استخدام اداة المزاد يجب ان يكون منسجما مع الحد الادنىالمستهدف للاحتياطيات الاجنبية.وقدحققت هذه السياسة ، اضافة الى تفعيل عمليات السوق المفتوحة ، نجاحا ملحوظا في السيطرة على النمو النقدي وتحسين القدرة الشرائية للدينار العراقي. فبعد ان كان الدولار يعادل 1896 عام 2003 اصبح يعادل 1177 دينارا بنهاية شهر ايلول عام 2008، ومن المتوقع ان يبلغ بنهاية عام 2009 حوالي 1100 دينارا أو اقل من ذلك. كما تشير تقديرات البنك المركزي العراقي ان معدل التضخم الاساسي بلغ 12% (عدا اسعار المحروقات والنقل) في شهر اب 2008. وسواء احتسبت معدلات التضخم من قبل البنك المركزي او وزارة التخطيط فلا يبدو إن هناك ميل لارتفاعات مستمرة بالاسعار بحيث تتطور الى تضخم جامح. وصفوة القول ، وكما ذكر في بداية المناقشة، ان ما يقارب (15) دولة جربت في القرن الماضي اما معدلات عالية من التضخم بلغت (100 %) او اكثر واما معدلات التضخم الجامح التي بلغت (50 %) شهريا او اكثر من (13000 %) سنويا. وقد حدثت تلك الانواع من معدلات التضخم في البلدان التي كانت تصدر عملاتها بدون غطاء ، او كانت تتعرض للصدمات الخارجية كالحروب والضغوط على الموازنة اضافة الى المديونية الخارجية. والمظاهر الشائعة لتلك الانواع من التضخم هي الزيادات الهائلة في عرض النقد الناتج بصورة عامة من الحاجة الى تمويل عجز الموازنة بطرق نقدية والذي يؤلف 10-12 % من الناتج القومي وربما اكثر من ذلك. ويتطلب ايقاف التضخم خليطا من السياسات المتعلقة بسعر الصرف وعرض النقد والموازنة العامة اضافة الى اجراءات مباشرة تخص الاجور والاسعار. فسياسة الاستقرار المستندة على سعر الصرف هي المفتاح في تخفيف الضغوط التضخمية، لكن هذه السياسة لوحدها لاتحقق الاستقرار المنشود ما لم يوضع عجز الموازنة واصدار العملة تحت السيطرة. اما لجوء بعض تلك البلدان الى اسلوب حذف الاصفار من عملاتها الوطنية سواء بشكله المبسط او المعقد فقد ثبت ان هذا الاسلوب مبالغ في فوائده كما هو الحال في تجربة البرازيل وان تكييفه بصيغة جديدة على الاسعار والاجور والفوائد والموجودات المالية من شأنه اضفاء الصفة الموسسية على التضخم لكنه لا يعالج اسبابه. لهذا السبب واسباب اخرى اتخذت تلك البلدان خطوات ضمن برنامج للاستقرار للحصول على قروض لدعم ميزان المدفوعات او لتخفيف الديون مما يساعد البنوك المركزية فيها على الدفاع عن سعر الصرف وتعزيز الثقة في البرنامج.

 

 

 صفحة للطباعة صفحة للطباعة

 أرسل هذا الخبر لصديق أرسل هذا الخبر لصديق